يهدف هذا البحث، الذي أجراه مركز البحوث البيئية بجامعة إندونيسيا، إلى تحليل تأثير التوسع الحضري السريع على جودة الهواء في منطقة جاكرتا الكبرى باستخدام تقنيات إنترنت الأشياء والتعلم الآلي. وقد أدى التوسع الحضري السريع إلى زيادة ملحوظة في عدد المركبات الآلية، ومشاريع البناء، واستهلاك الطاقة، مما يؤثر بشكل مباشر على ملوثات الهواء مثل الجسيمات الدقيقة (PM2.5)، وأول أكسيد الكربون (CO)، وثاني أكسيد النيتروجين (NO₂).
لرصد اتجاهات التلوث في الوقت الفعلي، طوّر فريق البحث شبكة من أجهزة استشعار إنترنت الأشياء، مثبتة في 120 موقعًا استراتيجيًا، تشمل مناطق مكتظة بالسكان، وطرقًا رئيسية، ومساحات خضراء. تُرسل هذه الأجهزة بيانات جودة الهواء دوريًا إلى خادم مركزي عبر اتصال لاسلكي. ثم تُحلل البيانات باستخدام خوارزميات التعلم الآلي، مثل الغابة العشوائية وآلة المتجهات الداعمة (SVM)، للتنبؤ بتقلبات الملوثات بناءً على الوقت وحركة المرور والطقس.
أظهر التحليل أن أعلى مستويات تلوث الهواء سُجلت بين الساعة 6:00 و9:00 صباحًا وبين الساعة 5:00 و8:00 مساءً، بالتزامن مع ساعات ذروة حركة المرور. وسجلت المناطق ذات الكثافة السكانية العالية، مثل وسط جاكرتا وغربها، تركيزات جسيمات PM2.5 تتجاوز باستمرار الحدود الآمنة التي حددتها منظمة الصحة العالمية. في المقابل، أظهرت المناطق الضواحي ذات المساحات الخضراء الواسعة مستويات أقل بكثير. وقد حقق نموذج التنبؤ المُطور دقة بلغت 88% في تحديد ذروات التلوث اليومية والأسبوعية.
إضافةً إلى كونه أداة رصد، تم تطوير هذا النظام ليصبح تطبيق ويب تفاعليًا متاحًا للجميع. يستطيع السكان الاطلاع على بيانات جودة الهواء المحيطة بهم وتلقي إشعارات عند تجاوز مستويات تلوث الهواء عتبات معينة. تُعد هذه الميزة مفيدة بشكل خاص للفئات الأكثر عرضة للخطر، مثل الأطفال وكبار السن ومرضى الجهاز التنفسي، إذ تساعدهم على إدارة أنشطتهم اليومية.
قامت هذه الدراسة أيضاً بتقييم فعالية سياسات الحكومات المحلية في معالجة تلوث الهواء. ورغم أن برامج "يوم بلا سيارات" وزراعة الأشجار قد أظهرت آثاراً إيجابية على المستوى المحلي، إلا أن هناك حاجة إلى بذل جهود أكثر منهجية، مثل فرض قيود على المركبات الخاصة، والتحول إلى وسائل النقل العام الصديقة للبيئة، وتقديم حوافز طويلة الأجل للمباني الخضراء.
تتمثل الخطوة التالية لهذا المشروع في توسيع نطاق تغطية أجهزة الاستشعار لتشمل المدن المجاورة مثل ديبوك وتانجيرانج وبيكاسي، وتحسين خوارزمية التنبؤ بإضافة بيانات تاريخية وصور الأقمار الصناعية. كما يبحث الفريق إمكانية التعاون مع الشركات الناشئة في مجال البيئة لتسويق أجهزة استشعار محمولة يمكن استخدامها في المدارس والمجتمعات والقطاعات الصناعية.
يؤكد هذا البحث على أهمية التضافر بين التكنولوجيا والسياسات العامة في بناء مدن صحية ومستدامة. ومن خلال اتباع نهج قائم على البيانات وتشاركي، يُؤمل أن يزداد وعي الجمهور بالقضايا البيئية وأن يشارك في الحفاظ على جودة الهواء في أحيائهم.